شكيب أرسلان
195
الرحلة الحجازية ( الارتسامات اللطاف في خاطر الحاج إلى أقدس مطاف )
يقال له في الشام : الدراقن ، ويقال له في اليمن والحجاز : ( الفرسيق ) - ما هو من الطبقة العليا في نوعه . ويلفظون المثناة بالثاء المثلثة ، وكنت ظننتها من غلط العوام ، وأنّ أصلها المسنّاة بالسين المهملة ، وذلك أنه يقال : إنّ القوم يسنون لأنفسهم إذا استقوا ، ويقال السحابة تسنو الأرض أي تسقيها ، فقد تكون بمعنى مكان السقيا . وأقرب من هذا أن تكون مخففة من المسنّاة ، وهي السد الذي يعترض الوادي حتى لا تطغى مياهه على الأرض ، وفي « لسان العرب » : المسنّاة ضفيرة تبنى للسيل لتردّ الماء ، سميت مسنّاة ، لأنّ فيها مفاتيح للماء بقدر ما تحتاج إليه ، مما لا يغلب ، مأخوذ من قولك سنّيت الشيء والأمر إذا فتحت وجهه . وفي « فتوح البلدان » للبلاذري المتوفى سنة ( 279 ) ما يلي : فلما كان زمن قباذ بن فيروز ، انبثق في أسافل كسكر بثق عظيم ، فأغفل حتى غلب ماؤه ، وغرّق كثيرا من أرضين عامرة ، وكان قباذ واهنا قليل التفقّد لأمره ، فلما ولي أنو شروان ابنه ، أمر بذلك الماء فردم بالمسنّيات ( جمع مسنّاة ) حتى عاد بعض تلك الأرضين إلى عمارته . انتهى . وفي أول المثناة من جهة جبل برد سدود على وجّ ، هي على هذه الصفة ، مما جعلني أفكّر في أنّ المسنّاة هي بالسين لا بالثاء . إلا أن أهل الحجاز بأجمعهم يقولون : المثناة ، وتواريخ الطائف كلّها تذكر المثناة بالثاء ، وإذا رجعنا إلى كتب اللغة لا نجد مناسبة بين معنى لفظة المثناة وهذا المكان ، فقد قالوا : المثناة الحبل من الصوف أو من الشعر مطلقا ، ونقلوا عن عبد اللّه بن عمر : من أشراط الساعة أن توضع الأخيار ، وترفع الأشرار ، وأن يقرأ فيهم بالمثناة على رؤوس النّاس ، ليس أحد